عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
28
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
قوله صلى اللّه عليه وسلم : « فسيرى اختلافا كثيرا » إشارة إلى ظهور البدع والأهواء . فالصراط المستقيم إلى اللّه تعالى ما كان عليه - صلى اللّه عليه وسلم - هو ومتبعوه كما قال تعالى : قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ الأنعام : 161 ] وقال : وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [ الأنعام : 153 ] وقال : قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [ يوسف : 108 ] فاللّه تعالى كما أمر بلزوم المتابعة أمر بمجانبة أهل الأهواء ، فقال : وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ [ الكهف : 28 ] وقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به » « 1 » . وقال ابن مسعود - رضي اللّه عنه - : اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم . وقال : من كان مستنا فليستن بمن مات ، أولئك أصحاب محمد - صلى اللّه عليه وسلم - كانوا خير هداة ، أبرها قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا قوما اختارهم اللّه لصحبة نبيه - صلى اللّه عليه وسلم - ونقل دينه فتشبهوا بأخلاقهم وطريقهم فهم كانوا على الهدى المستقيم ، وقد أخبر النبي - صلى اللّه عليه وسلم - عن افتراق هذه الأمة وظهور الأهواء والبدع فيهم ، وحكم بالنجاة لمن اتبع سنته وسنة أصحابه ، فقال : « إن بني إسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين ملة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين كلهم في النار إلا ملة واحدة » قالوا : من هم يا رسول اللّه ؟ قال : « ما أنا عليه وأصحابي » . فعلى الطالب الراغب مجانبة أهل الأهواء والبدع ، لئلا يعتقد شيئا من البدع فلا يفلح أبدا ، فإن من شرط السائرين إلى اللّه تعالى أن يكونوا على الصراط المستقيم ليبلغوا مقاصدهم ويفيد اجتهادهم ويكون سعيهم مشكورا ، ولا يكونوا من جملة من يقول تعالى فيهم : وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً ( 23 ) [ الفرقان : 23 ] ومن أراد أن يقف على مذاهب المبتدعين من أهل الأهواء الذين تفرقوا على اثنتين وسبعين فرقة فليطالع كتاب الملل والنحل للشهرستاني فإنها مشروحة فيه . شرحا وافيا ، كافيا ، شافيا ، واللّه أعلم . الفصل الثاني في مقام توحيد الخواص وهو توحيد بالحال فضلا عن المقال وذلك بأن يتحلى القلب بحلية علم التوحيد على ما قال تعالى : فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ [ هود : 14 ] أمرهم
--> ( 1 ) أخرجه السيوطي في الدرر المنثور ( ج 2 / ص 178 ) ، وابن كثير في تفسيره ( ج 1 / ص 521 ) ، وابن حجر العسقلاني في فتح الباري ، باب ما يذكر من ذم الرأي ( ج 13 / ص 289 ) .